فوزي آل سيف

6

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

بعد موت المعتصم العباسي، صارت الخلافة لابنه الواثق، ولا ينقل التاريخ مواقف سيئة للواثق تجاه الإمام الهادي عليه السلام، كما أن خلافة الواثق لم تستمر طويلا إذ أنه تولاها سنة 227 هـ وانتهت سنة 232 هـ أي لم تستمر أكثر من خمس سنوات! وهذه ظاهرة سوف نلاحظها في هذه المرحلة من عمر الخلافة العباسية، فباستثناء المتوكل العباسي الذي استمرت خلافته 15 سنة، سنلاحظ أن باقي الخلفاء كانت مدد خلافتهم قصيرة (ما بين خمس سنوات لبعضهم وبين ستة أشهر لبعضهم الآخر) وهذا يشير إلى نقاط كثيرة؛ منها شدة الصراع بين المرشحين للخلافة، ما دامت لا تشترط أي شرط سوى كونه ابن الاسرة، ومن صلب فلان! ومنها كثرة تدخل الميليشيا التركية التي جاؤوا بها لحمايتهم من الناس فاحتاجوا إلى الناس ليحتموا بهم منها! ولات حين مناص! ومنها سيطرة الضعف على هذه الخلافة.. وقد يشير إلى ما ذكرنا من عدم العثور على مواقف سلبية حادة من جهة الواثق تجاه الإمام وشيعته، أنه هو الذي صلى – ظاهرا -على الإمام الجواد كما نقله عنه ابن الأثير.[21]بل ربما نقل عن طريقته أنها كانت مخالفة لأبيه المعتصم، حتى شبه الواثق بعمه المأمون حتى سمي بالمأمون الصغير في إشارة إلى محبته للعلم والمعرفة، وقد نقل عنه أنه عندما تولى الحكم " أحسن إلى الناس واشتمل على العلويين وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم والتعهد لهم بالأموال"[22]ولا نريد أن نقبل كل ما ورد في هذا النص الذي اعتمده ابن الأثير ونقله عنهم من بعده، وإنما نشير إلى أن الانطباع العام عن الواثق العباسي لم يكن سلبيا مع أهل البيت عليهم السلام. بل ربما يظهر من نقل الخطيب البغدادي أنه كان كعمه المأمون يعتقد بعلم أهل البيت الاستثنائي، وبالخصوص الإمام الهادي عليه الذي كان عمره الشريف حين تولى الواثق الخلافة 15 سنة، فقد نقل الخطيب البغدادي خبرا جاء فيه أنه قال يحيى بن أكثم القاضي في مجلس الواثق - والفقهاء بحضرته -: من حلق رأس آدم حين حج؟ فتعايا القوم عن الجواب، فقال الواثق: أنا أُحضِركم من ينبئكم بالخبر، فبعث إلى علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأحضر، فقال: يا أبا الحسن من حلق رأس آدم؟ فقال: سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا أعفيتني، قال: أقسمت عليك لتقولن، قال: أما إذ أبيت فإن أبي حدثني عن جدي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أمر جبريل أن ينزل بياقوتة من الجنّة، فهبط بها، فمسح بها رأس آدم (عليه السلام)، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً..[23] فإن قوله – إذا تم الخبر- أنا أحضركم من ينبئكم بالخبر! يشير إلى ما ذكرناه من معرفته بعلم آل محمد الذي يعجز عنه غيرهم! بالطبع لا نريد أن نقول إنه كان مؤمنا بهم! إذ لن يكون حاله أحسن من حال عمه المأمون العباسي الذي كان على اطلاع تفصيلي بعلم الإمام الرضا والجواد عليهما السلام ومع ذلك فقد ارتكب من الإمام الرضا ما ارتكب!. ولعل عدم خوض الأئمة عليهم السلام وشيعتهم في مسألة خلق القرآن والفتنة التي تبعتها،[24]وربما كون كلمات الأئمة في ذلك كقولهم (كل ما عدا الله مخلوق) وهو ما قد يفهمه الواثق وحكومته عدم معارضة لهم، ساهمت في تهدئة الموقف من جانب الحكم العباسي في وقته ضد الأئمة وشيعتهم، وإلا فإن مواقف الواثق المتعنتة والشديدة تجاه مخالفيه في هذه المسألة، والتي وصلت إلى القتل، تماما مثلما عمل أخوه المتوكل العباسي في الطرف الآخر، لا يرضى عنه أهل البيت عليهم السلام ولا يتفق مع طريقتهم! نعم يبقى في الخبر الذي نقله الخطيب البغدادي سؤال وهو أنه أين كان ذلك المجلس؟

--> 21 ) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٦/ ٤٥٥: وصلّى عليه الواثق، وكان عمره (الجواد) خمسا وعشرين سنة، وكانت وفاته في ذي الحجّة. 22 ) ابن الأثير 7/ 31 23 ) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ت بشار (13/ 518)، والشيخ الكليني في الكافي ٤/ ١٩٥ كما سيأتي بعد قليل.. قال ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٦/‏٤٨٨: موضوع.. أقول: هذا من غرائبه حيث حكم بأنه موضوع ولا أعلم مبرر ذلك فإن أقصى ما يستطيع أن يحكم عليه بناء على عدم سلامة السند هو أن يكون الخبر ضعيفا! ولذلك وجدنا السيوطي وغيره قال عن الخبر وقد استشهد به: بسند فيه من لا يعرف! أما الحكم هكذا بشكل جازم بأنه موضوع فلا نعلم وجها له، إلا ما قد يتراءى من مضمونه حيث يشتمل على عجز فقهاء المذهب الآخر عن الجواب وقيام الإمام علي الهادي بالجواب عنه وهو ما لا يرضى به الألباني! وعلى كل حال فبناء على كونه موضوعا كما قال، يبقى السؤال الذي عجز عنه أولئك باقيًا ولم يجد الجواب منذ أن سئل عنه مقاتل بن سليمان (توفي: 150هـ) عندما حاول أن يقف موقف علي بن أبي طالب في قوله: سلوني قبل أن تفقدوني! فكان أن سأله سائل نفس السؤال، وكسر كبرياء غروره به عندما لم يستطع الإجابة. وإلى زمان الألباني.. من حلق رأس آدم؟ وقد رواه الشيخ الكليني في الكافي عن الإمام الجواد عليه السلام: فقال: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن محمد العلوي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آدم حيث حج: بما حلق رأسه ؟ فقال: نزل عليه جبرئيل عليه السلام بياقوتة من الجنة فأمَرّها على رأسه فتناثر شعره. 24 ) سيأتي في الصفحات القادمة تعريف بأصل المشكلة واستهدافاتها وموقف المعصومين منها.